محمد خليل المرادي

80

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وارتحل إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين وألف ، وأخذ فيها عن جماعة منهم : الشيخ الشمس محمّد البابلي ، والشيخ علي الشبراملسي ، والشيخ سلطان المزاحي ، والشيخ عبد السلام اللاقاني ، وعبد الباقي بن محمّد الزّرقاني ، ومحمّد بن قاسم البقري ، ومحمد بن أحمد البهوتي . . . وغيرهم . ومات أبوه في غيبته بمصر . ثم عاد إلى دمشق وجلس للتدريس مكان والده ، في محراب الشافعية بين العشاءين ، وبكرة النهار لإقراء الدروس الخاصة . فقرأ بين العشاءين الصحيحين ، والجامعين الكبير والصغير للسيوطي ، والشفا ورياض الصالحين للنووي ، وتهذيب الأخلاق لابن مسكويه ، وإتحاف البررة بمناقب العشرة للمحب الطبري . . وغيرهما من كتب الحديث والوعظ . وأخذ عنه الحديث والقراءات والفرائض والفقه ومصطلح الحديث والنحو والمعاني والبيان أمم لا يحصون عددا . وانتفع الناس به طبقة بعد طبقة . وألحق الأحفاد بالأجداد . ولم ير مثله جلدا على الطاعة مثابرا عليها . وله من التآليف رسالة تتعلّق بقوله تعالى : . . . ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ . . « 1 » . ورسالة في قوله تعالى : . . . فَبَدَتْ لَهُما . . « 2 » . ورسالة في : « تعملون » في جميع القرآن بالخطاب والغيبة « 3 » ، ورسالة في قواعد القراءة من طريق الطيّبة . وله بعض كتابة على صحيح البخاري بنى بها على كتابة لوالده عليه ، لم تكمل . وغير ذلك من التحريرات المفيدة . وكان يسقى به الغيث ، حتى استقي به في سنة ثمان ومائة وألف . فكان الناس قد قحطوا من المطر فصاموا ثلاثة أيام ، وخرجوا في اليوم الرابع إلى المصلّى صيّاما ، فتقدم صاحب الترجمة وصلّى بالناس إماما بعد طلوع الشمس . ثم نصب له كرسي في وسط المصلّى فرقي عليه وخطب خطبة الاستسقاء ، وشرع في الدعاء ، وارتفع الضجيج والابتهال إلى اللّه تعالى ، وكثر بكاء الخلق . وكان الفلاحون قد أحضروا جانبا كثيرا من البقر والمعز والغنم . وأمسك المترجم بلحيته وبكى ، وقال : إلهي لا تفضح هذه الشيبة بين عبادك . فخرج في الحال من جهة المغرب سحاب أسود ، بعد أن كانت الشمس نقية من أول الشتاء ، لم ير في السماء غيم ، ولم ينزل إلى الأرض قطرة ماء . ثم تفرق الناس ورجعوا . فلما أذن المغرب تلك الليلة انفتحت أبواب السماء بماء منهمر . ودام المطر ثلاثة أيام بلياليها غزيرا كثيرا ، وفرّج اللّه الكربة بفضله عن عباده .

--> ( 1 ) الآية الثالثة من سورة يوسف . ( 2 ) الآية 121 من سورة طه . ( 3 ) وردت كلمة : « تعملون » في 84 موضعا في القرآن الكريم ، بينما وردت « يعملون » في 56 موضعا . وهذا بحسب قراءة حفص عن عاصم . وأما في القراءات الأخرى ، كقراءة ابن كثير المكّي مثلا فالأمر مختلف .